الأدب المقارن

 

 

تعددت الآراء واختلفت في تحديد مفهوم الأدب المقارن وذلك تبعاً للزاوية التي ينظر من خلالها المتكلم ، فبينما قصره بعضهم على المقارنة بين الأعمال الأدبية ، وسَّع بعضهم الآخر هذه النظرة إلى استنباط

الأدب المقارن يمكن أن يعرّف بأنه: العلم الذي يبحث عن التأثر والتأثير في الأدب على جميع المستويات، سواء أكان ذلك بين كاتب وكاتب، أم بين تيار فكري وتيار فكري آخر، كما أنه يبحث في انتقال الأنواع الأدبية من أمة إلى أمة، وفي الأخذ والعطاء بين الشعوب على مختلف مراحل نموها.

فالأدب المقارن هو “إظهار ضروب الأثر والأخذ والتأثير والعطاء دون المشابهة البحتة إذا ما انعدم الرابط التاريخي، وإن المشابهة قد تفيد علماء الاجتماع حيث يمكنهم بها رسم تطور التفكير الإنساني أكثر مما تفيد علماء الأدب المقارن

وهو فرع من فروع المعرفة يتناول المقارنة بين أدبين أو أكثر ينتمي كل منهما إلى أمة أو قومية غير الأمة أو القومية التي ينتمي إليها الأدب الآخر، وفي العادة إلى لغة غير اللغة التي ينتمي إليها أيضًا، وهذه المقارنة قد تكون بين عنصر واحد أو أكثر من عناصر أدب قوميٍّ ما ونظيره في غيره من الآداب القومية الأخرى، وذلك بغية الوقوف على مناطق التشابه ومناطق الاختلاف بين الآداب ومعرفة العوامل المسؤولة عن ذلك، كذلك فهذه المقارنة قد يكون هدفها كشف الصلات التي بينها، وإبراز تأثير أحدها في غيره من الآداب، وقد يكون هدفها الموازنة الفنية أو المضمونية بينهما، وقد يكون هدفها معرفة الصورة التي ارتسمت في ذهن أمة من الأمم عن أمة أخرى من خلال أدبها، وقد يكون هدفها هو تتبع نزعة أو تيار ما عبر عدة آداب. إلخ،

ويعرف ميدان الأدب المقارن توجهين أساسيين؛ الأول تمثله تاريخياً المدرسة الفرنسية، أما الثاني فهو اتجاه المدرسة الأمريكية، كما تعتبر المدرسة الروسية السلافية مدرسةً لا تقل أهميةً عن المدرستين السابقتين.

المدرسة الفرنسية

وقد ارتبطت بالمنظور التاريخي للأدب، إذ يرى دارسو الأدب الأعمال الأدبية في صورة أعمال منتظمة في نسق تاريخي، ويطبقون مقولات التأريخ وفلسفته ومناهجه في دراساتهم الأدبية. وتبدأ هذه المقولات بمقولة (النسبية الزمانية والمكانية) أي أن لكل زمان ومكان تقاليد وأذواق ومعايير وأعراف ونظم سياسية واقتصادية واجتماعية تحكم هذا المكان والزمان، ثم إن هذه التقاليد والأذواق والمعايير تتغير بمرور الزمان واختلاف الأمكنة، وعليه؛ فلابد من الرجوع بالعمل الأدبي حين دراسته إلى فضائه الزماني والمكاني، وأن لا نفسره أو نحكم عليه بأعين عصرنا الحاضر، وإنما بأعين معاصريه، تقوم دراستها على استقصاء ظواهر عملية التأثير و التأثر بين الآداب القومية المختلفة و رصد الظروف الخارجية التي تحيط بكل من الأديب أو بالعمل الأدبي سواء ؛ التاريخية أو السياسة أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الفكرية أو الروحية و التي تسهم في حدوث ذلك التأثير .

ثم تأتي مقولات التاريخ الأخرى التي يُطبقها أصحاب المدرسة الفرنسية من مثل: السببية، والنشوء والتطور للظواهر الأدبية، واليقينية وهي تخص العمل الأدبي في توثيقه.

من أشهر أقطاب المدرسة الفرنسية: فان تيجم، فرنسوا جويار، رينيه إيتامبل.

المدرسة الأمريكية

ولعل من أبرز من تزعمها رينيه ويليك الذي يرى ضرورة أن يدرس الأدب المقارن كله من منظور عالمي، ومن خلال الوعي بوحدة التجارب الأدبية والعمليات الخلاقة، أي أنه يرى أن الأدب المقارن هو الدراسة الأدبية المستقلة عن الحدود اللغوية العنصرية والسياسية، وهو يعيب على المدرسة الفرنسية أنها تحصر الأدب المقارن في المنهج التاريخي، بينما تتسع الرؤية الأمريكية لتربط بين المنهج التاريخي والمنهج النقدي، باعتبارهما عاملين ضروريين في الدراسة المقارنة.

و يمكن القول أن أهم ما ميز اتجاه المدرسة الأمريكية في الأدب المقارن ، هو رفضها لكل ما جاءت به المدرسة الفرنسية التقليدية ، نظريا كان أو تطبيقيا ، و جعلت للأدب المقارن مفهوما جديدا و دعت إلى أسس جديدة تحكم الدراسة المقارنة تتمثل في :

1- ضرورة دراسة الظاهرة الأدبية في شموليتها دون مراعاة للحواجز السياسة واللسانية حيث يتعلق الأمر بدراسة التاريخ والأعمال الأدبية من وجهة نظر دولية.

2- الدعوة إلى تطبيق منهج نقدي في الأدب المقارن، و التخلي عن المنهج القائم على حصر ما تنطوي عليه الأعمال الأدبية من مؤثرات أجنبية، وما مارسته على الأعمال الأدبية الأجنبية من تأثير.‏

3- الدعوة إلى جعل الدراسات المقارنة تدرس العلاقات القائمة بين الآداب من ناحية و بين مجالات المعرفة الأخرى ؛ كالفنون ، و الفلسفة ، و التاريخ ،و العلوم الاجتماعية …الخ.

المدرسة الروسية أو السلافية

يعتبر الاتجاه الروسي أو السلافي أو ما يسمى بالمدرسة الروسية أو السلافية ،و التي ظهرت في روسيا و بلدان أوروبا الشرقية الاشتراكية، إحدى المدارس المهمة في الأدب المقارن، وهي مدرسة مبنية على أساس إيديولوجي.

وهي تملك نظرة شمولية للكون وللمجتمع وللثقافة والأدب وتؤمن ” بأن هناك علاقة جدلية بين القاعدة المادية أو البناء التحتي للمجتمع، وبين البناء الفوقي الذي تشكّل الثقافة والأدب أهم مكوناته.

فالمدرسة الروسية أو السلافية في الأدب المقارن المبنية على الفلسفة هي مدرسة لها نسق ثقافي يختلف عن مفاهيم المدرستين السابقتين؛ الفرنسية والأمريكية، في مفهومهما للأدب المقارن، وكذلك في الميادين التي تدخل في مجاله.

فالمدرسة الروسية أو السلافية في الأدب المقارن المبنية على هذه الفلسفة هي مدرسة لها نسق ثقافي يختلف عن مفاهيم المدرستين السابقتين ؛ الفرنسية و الأمريكية ، في مفهومهما للأدب المقارن، وكذلك في الميادين التي تدخل في مجاله . فبالرغم من أن هذه الأخيرة تلتقي مع المدرسة الفرنسية في النزوع إلى استخدام المنهج التاريخي في الدراسات المقارنة ، إلا أن أهداف و نتائج كل منهما ليست واحدة في ذلك ، فالمدرسة الفرنسية تستعين بالمنهج التاريخي لإثبات عملية التأثير و التأثر بين الآداب بمعزل عن القوانين المتحكمة في تطوره، “بينما الماركسيون يستخدمون المنهج التاريخي لإثبات دور المجتمع والصراع الطبقي في تشكيل الأدب وظهور أجناسه فإذا تشابهت عندهم الظروف الاجتماعية في عدد من البلدان، سيؤدي ذلك التشابه الاجتماعي إلى ظهور أدب متشابه، ومن هنا أصبحت الدراسات الأدبية المقارنة موجهة كغيرها من المجالات المعرفية لإثبات مدى تحكم الظروف الاجتماعية، وتأثيرها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WhatsApp chat