مبادئ النقـد

 

( مبادئ النقد، النقد العربي القديم ، النقد العربي الحديث ، النقد العالمي )

هو فن تفسير الأعمال الأدبية، ودراستها، والكشف عن مواطن الجمال والقبح فيها، وهو أحد الفنون الأدبية التي يشترك فيها ذوق الناقد وفكره للكشف عن جماليّة النص الأدبيّ أو العيوب التي توجد فيه.

وحيث أنَّ تفسير الأعمال الأدبية يحتاج إلى موقف يعبر فيه الشخص عن الجوانب الإيجابية أو السلبية التي أدركها في النص من خلال قراءته، كان النقد من الأسس الهامة التي يعتمد عليها القارئ أو الناقد فيلجأ من خلاله إلى عددٍ من القواعد والحقائق النظرية التي ترشده إلى القرار المناسب لعرضه، لذلك فإن النقد هو الطريقة التي يتم التعامل من خلالها مع الأعمال الأدبية وتذوّقها وتقييمها وتوضيح معانيها؛ وذلك لإظهار مظاهر الجمال في النصّ بشكل عامّ وتقييمها بشكل موضوعيّ،

والنقد الأدبي هو إبداع على إبداع أي دراسة النص الأدبي ليخرج الناقد بنصه الجديد، ولذلك يعد الناقد هو المبدع الثاني للنص، والأدب سابق للنقد في الظهور، ولولا وجود الأدب لما كان هناك نقد أدبي لأن قواعده مستنتجة من دراسة الأدب.

وبالنسبة لوظائف النقد الأدبي فإنه من الجدير بالانتباه أنه لا يمكن الكلام عن وظيفة مستقلة للنقد بمعزل عن بقية الوظائف ، بل أن هذه الوظائف متكاملة يكمل بعضها بعضاً في عملية نقدية شاملة تشكل جوهر النقد الأدبي، ومن أهم وظائف النقد الأدبي:

  • التفسير: حيث يقوم النقد بعملية تفسير للنص من خلال الدخول إلى تفاصيله والكشف عنها، وتبسيط المعقد.
  • التوجيه الأدبي: لأن النقد لا يكتفي بالإضاءة فقط على النص الأدبي بل يرشد إلى مواقع الجمال لكي ينتهجها الكاتب ويراعيها في النصوص القادمة.
  • تقويم العمل الأدبي: من خلال تصحيح الأخطاء، وكشف السلبيات، ورسم طرق معالجتها.
  • تقييم العمل الأدبي: وذلك بالحكم عليه وعلى انتمائه بدايةً إلى الجنس الأدبي المحدد، ومن ثم الحكم بدرجة جودة النص وإبداعه.
  • الكشف عن جماليات وعيوب العمل الأدبي.
  • رفع الذائقة العامة لتلقي النص الأدبي.

صورة ذات صلة

وعند العرب ظهر النقد الأدبي منذ الجاهلية وتطور عبر عدة مراحل فقد كان اهتمام العرب به كبيراً، لذلك يمكن تقسيم النقد العربي عند العرب إلى عدة مراحل أهمها:

  1. النقد عند العرب في الجاهليّة: تميّز النقد في الجاهلية بأنه كان تأثريّاً أي لحظيّاً، ويرتكز بشكل أساسيّ على الحس الفطري، ويشمل أحكاماً جزئيّة، والكثير من المبالغات، وليست له قواعد وشروط معيّنة.
  2. النقد في عصر صدر الإسلام: تأثر النقد عند العرب بعد دخول الإسلام وانتشاره، ممّا أثر في الفكر العربي، وتطوّر النقد العربي في هذه الفترة بشكل ملحوظ، فأصبح النقد يتّصف بالدقة في أحكامه، والتركيز على الصدق والمبادئ الرفيعة في الأعمال الأدبيّة.
  3. النقد في القرن الهجري الثانيّ: تأثر النقد الأدبي العربيّ بالحركة العلميّة الإسلاميّة بشكلٍ كبير، فبرزت طائفة من النقاد اللغويين الذين اهتموا بجمع الشعر القديم، والنظر فيه، والموازنة بين الشعراء، والحكم على طريقة كتاباتهم وأشعارهم، كما اهتمّوا بالصفات الفنيّة للأدب.
  4. النقد العربيّ في القرن الهجري الثالث: تطوّر النقد العربي وأصبح راقياً، وبرزت العديد من المؤلفات المميّزة والمهمة التي اهتمت بالقضايا المتعلّقة بتوثيق الشعر الجاهليّ والإسلامي، بهدف إثبات الصحيح من غير الصحيح، كما هدفت إلى الموازنة بين الشعراء وتقويمهم، وفحص بعض الشعر من أجل دراسة المعاني الجيّدة من المعاني الرديئة، واهتموا بالتمييز بين الأسلوب القوّي من الضعيف، والأسباب التي أدّت إلى جعل شعر أقوى من غيره، ومن أشهر النقاد الجاحظ صاحب كتابَي “البيان والتبيين” و”الحيوان” وقد ضمّنهما بعض آرائه في النقد.
  5. النقد العربي في القرن الهجريّ الرابع: تطوّر النقد الأدبي عند العرب، وبرز العديد من النقاد الذين صنّفوا الكثير من المؤلفات القيّمة، وناقشوا العديد من القضايا النقديّة المتمثّلة في تعريف الشعر ودراسة عناصره، وتعريف الخطابة ودراسة عناصرها، ومن ثمّ معرفة العلاقة بينهما، إضافة إلى دراسة البناء الذي تقوم عليه القصيدة، والموازنة بين الشعراء بشكلٍ تفصيليّ ودقيق، وما أخذه الشعراء من أشعار وقصائد غيرهم، ومن أشهر النقاد في هذه الفترة الناقد الكبير القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب كتاب “الوساطة بين المتنبي وخصومه”.
  6. النقد الأدبي في القرن الهجري الخامس: استمر النقّاد في تأليف الكتب النقديّة، وأضافوا أبحاثاً في الإعجاز القرآني، ومن أشهر النقاد في هذه الفترة عبد القاهر الجرجاني صاحب كتاب “دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة”.
  7. النقد بين القرن السادس الهجري والعصر الحديث: شهد النقد الأدبي فترةً من الجمود، ثم تقلّص تدريجيّاً حتى وصل إلى أواخر القرون المتأخرة، ويعود السبب في ذلك إلى قلّة الإبداع والانفصال بين البلاغة والنقد، ولكن ظهر في هذه الفترة نقاد بارزون، مثل ابن سناء الملك، الذي ألّف كتاب (دار الطراز).
  8. النقد الأدبيّ في العصر الحديث: شهدت هذه الفترة حركة إحياء نقديّة على يد العديد من النقاد، ومن أشهرهم الشيخ حسين المرصفي.

وقد تعددت المناهج النَّقْدية بحسب وجهة النظر التي ينظر إليها الناقد وهي على العموم تقسم إلى عدة مناهج نذكر أهمها:

  1. المَنهَج التاريخيّ: وهو يُعَدُّ من أوائل المناهج النَّقْدية في العصر الحديث؛ لارتباطه الوثيق بتطوّر الفِكر الإنسانيّ، وانتقاله من العصور الوُسطى إلى العصر الحديث؛ وهذا ما أدّى إلى بروز الوعي التاريخيّ؛ الذي كان سبباً في نشوء المدارس الرومانسيّة، وانتقالها من أوروبا إلى الثقافات الأُخرى. فكانت الرومانسيّة تمثِّل الوعي التاريخيّ للإنسان، وتربطه بواقعه الاجتماعيّ، بعد أن سادت أفكار مفادها أنّ الحاضر ما هو إلا تدهوُر وانهِيار. وبعد ذلك ظهرت الفلسفة الماركسيّة، التي كان لها دور كبير في التطور التاريخيّ للأدب، من خلال دراسة العمليّة الأدبيّة ضمن محورين: المحور الزمانيّ، والمحور المكانيّ المتعلِّقَين بها، والنظر إليها باعتبارها وثيقة واحدة متكاملة. ومن ثم ظهرت مناهج أُخرى أكثر مرونة من المنهج الماركسيّ؛ حيث أعطت مزيداً من الحريّة للفرد، والمبدع، والناقد، تمثَّلت في منهج الواقعيّة النَّقْدية، ومفادها تَبنِّي القضايا المجتمعيّة دون إلزامٍ من أحد. ويُعَدُّ كلٌّ من “تين” و”لانسون” من أبرز الأشخاص الذين أسهموا في تشكيل المنهج التاريخيّ في النَّقْد الأدبيّ؛ فقد وجد “تين” أنّ الأدب يُفسَّر من خلال عناصر عدة هي: الجنس أو العِرق، الذي يميِّز مجموعة من الناس لهم أصول واحدة، والبيئة، وهي الوسط الجغرافيّ الذي ينشأ فيه المُبدِع، والزمان، الذي يترك أثراً في الأدب. بينما نلاحظ الأثر الكبير الذي تركه “لانسون” في النَّقْد العربيّ؛ فقد عمل على وضع الخطوط الأساسيّة وبَلوَرتِها في المنهج التاريخيّ في النَّقْد الأدبيّ.
  2. المنهج الاجتماعيّ: انبثق المنهج الاجتماعيّ عن المنهج التاريخيّ وأخذ عنه أساسيّاته، والجدير بالذكر أنَّ الوعي التاريخيّ سرعان ما تحوَّل إلى وعي اجتماعيّ، يرتبط به الأدب، ويمثِّل الحياة على المستوى الجماعيّ، ويتفاعل مع أنظمة المجتمع وتحوُّلاته. ومن أبرز المذاهب التي تبنَّت المذهب الاجتماعيّ النَّقْدي هي الماركسيّة، والواقعيّة الغربيّة؛ حيث عملتا جنباً إلى جنب في تعزيز النَّقْد الاجتماعي.
  3. المنهج النفسيّ الأنثربولوجيّ: بدأ المنهج النفسيّ تطبيق آليّة عمله بالتزامن مع ظهور نظرية فرويد للتحليل النفسيّ، حيث درس ظواهر الإبداع في الأدب على ضوء السلوك البشري بردِّه إلى منطقة اللاشعور، وهو مجموعة من الرغبات المُخزَّنة وغير الظاهرة للشخصيّة الإنسانيّة، والتي قد يحلم بها الإنسان أثناء نومه، معتبراً أنَّ تفسير الأحلام هو الأساس الذي يعبِّر عن الشخصيّة الإبداعيّة من شعر، وموسيقى، وفن، فلجأ فرويد إلى ربط النص الأدبيّ بمنطقة اللاشعور لدى صاحبه، واعتبر الشخصيات الأدبية شخصيات حقيقية تعبِّر عن رغبات حقيقية مكبوتة، تتمثل في بُنية نفسيّة مُخزَّنة في منطقة اللاوعي لدى المبدع، وتظهر على سطح النص الأدبيّ.
  4. المنهج البُنيَويّ: وهو المنهج الذي كان له أثر في النصف الأول من القرن العشرين، ومن أشهر مُؤسِّسيه العالِم اللُّغوي “دو سوسور”، الذي ميّز بين الكلام الذي يُعتبَر عملاً فرديّاَ، واللغة التي تُعتبَر نموذجاً ذهنيّاً ومرجعيّة للكلام. إنَّ أهمَّ مصادر المنهج البُنيَويّ، هي حركة الشكلانيّين الرُّوس؛ فقد دعت إلى الاهتمام بالتصميم الداخليّ للنص الأدبي، بالإضافة إلى ظهور مدرسة النَّقْد الجديد، التي ركَّزت على دراسة النص الأدبيّ بغضِّ النظر عن العوامل الأُخرى.
  5. المنهج الأسلوبيّ: اعتمد “شارل بالي” والذي يُعَدُّ أول مُؤسِّس للأسلوبيّة، على المظهر اللُّغوي للأسلوب، بتركيزه على الجانب العاطفيّ، ويمكن تعريف الأسلوب بأنّه الاختيارات اللُّغوية بين عدّة بدائل؛ ممّا يشي بطباع وشخصيّة الكاتب، وهو المنهج الذي يكشف جماليّة النصّ، بدراسة الظواهر اللُّغوية والبلاغية فيه.
  6. المنهج السيميولوجي: وهو العلامة اللُّغوية، فقد وضع “سوسور” الخواصَّ الأساسيّة للعلامة اللُّغوية، أو الرموز، وحصر هذا العلم في دراسة العلامات في دلالاتها الاجتماعيّة، بينما قام “بيرس” بتحليل أنواع العلامات وميّزها بمستوياتها المُتعدِّدة؛ حيث حدَّد الفروق بين الإشارات مثل: السهم، وحركة الإصبع، وميّز الأيقونة عن الرمز الذي يصل بين مدلول الكلمة ودليلها الخارجيّ.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WhatsApp chat